مصباحٌ أنهكه الفرك وخرطوشةٌ نفد بارودها
بقلم: م. أ. ساجد
في حكايات «ألف ليلة وليلة» يعثر علاء الدين في ظلمة الكهف على مصباحٍ متواضع، فما إن يمرّ عليه بيده حتى يمثل بين يديه مارد جبّار يلبّي كل ما يشتهيه سيّده قبل أن يتمّ عبارته. وظلّ هذا المصباح قروناً رمزاً لتحويل المستحيل إلى ميسور. أما في سياستنا فلم يكن المصباح مخبوءاً في كهف قطّ، بل في جراب الحواة وأصحاب الشعوذة. غير أنه فُرك حتى لم يبقَ فيه مارد ولا سحر، وما بقي في اليد إلا وعاءٌ أنهكه الفرك، أشبه بخرطوشةٍ فارغة سلم غلافها وذهب بارودها.
ما من عهدٍ في تاريخنا السياسي إلا وصنع للناس مصباحاً جديداً. فمرةً كان شعار «الخبز والكساء والمأوى» يُفرك لعلّه يستنزل الرخاء على أحياء الفقراء، ومرةً خطفت الأبصار أحلام «النمر الآسيوي» وامتداد الطرق السريعة، ومرةً رُفع شعارا «التغيير» و«باكستان الجديدة» مصباحاً للساعة. وكان الذين طال انتظارهم لعقودٍ للماء النقي والكهرباء الميسورة والعدالة الرخيصة يتعلّقون في كل مرة ببريق المصباح الجديد، موقنين بأن الفركة هذه المرة أصابت موضعها. لكن ما إن ينقضي موسم الانتخابات ويحطّ طائر «الهُما»، الذي تزعم الأساطير أن ظلّه يُتوِّج الملوك، على رأسٍ جديد، حتى لا يخرج من المصباح مارد التنمية؛ ويقوم مقامه ارتفاع أسعار الوقود، والغلاء الذي يقصم الظهور، والمجاري الطافحة، وشبح شروط صندوق النقد الدولي.
واليوم أشدّ وطأةً من الأمس، فالأزمة لم تعد اقتصادية فحسب، بل هي أزمة مصداقيةٍ وثقة. لقد تعلّم الناس من توالي الخيبات الكثير. فالشعارات القديمة والسرديات المستهلكة والخطب المكرورة التي كانت يوماً عُدّة البقاء السياسي قد فقدت قيمتها. ومصباحٌ يُفرك في كل موسم انتخابي لا بدّ أن يذهب بريقه. وقد بدأ الناس يشكّون في أن وراء الشعارات البرّاقة قلّما يقوم تخطيطٌ رصين، وإنما هو في الغالب شهوة الحكم وحماية المصالح الخاصة. وإن أعدتَ خرطوشةً فارغة إلى بيت النار وضغطتَ الزناد لم تسمع سوى نقرةٍ جوفاء، وبقي الصيد حيث كان.
وعلى النخبة وأصحاب القرار الفعلي أن يقرؤوا ما خُطّ على الجدار: لم يعد ممكناً تخدير الناس بأحلامٍ مسكَّرة. لقد بلغت البلاد مرحلةً لم يبقَ فيها متّسعٌ للطمأنة الجوفاء ولا لدعاوى الحلول السحرية. وإذا أردنا الخروج من مستنقع الأزمات فلنكفّ عن الاتكاء على المصابيح القديمة، ولنتمسّك بالصدق والشفافية والإصلاح الحقيقي. وما لم تتحلَّ الأحزاب بالجدّية وتقلع عن عادة تقديم الخرطوشات الفارغة في ثوب ذخيرةٍ جديدة، فلن ينقشع دخان اليأس. وقد آن الأوان أن يُغلق سوق الشعوذة السياسية هذا، وأن نواجه وقائع الأرض ونمضي إلى الأمام.
نبذة عن الكاتب
م. أ. ساجد باحثٌ في العلوم الإسلامية، ومنتسبٌ إلى «مكتبة كريمي ومركز البحوث» (Kareemi Library & Research Centre).